أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
160
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
وقال مرة أخرى : لما سئل عن الكيمياء ؟ قال أخرج الخلق من قلبك ، واقطع يأسك من ربك أن يعطيك غير ما قسم لك ، وليس يدل على فهم العبد كثرة علمه ، ولا مداومته على ورده ، إنما يدل على نوره وفهمه غناه بربه وانحياشه إليه بقلبه وتحرزه من رق الطمع وتحليه بحلية الورع ، وبذلك تحسن الأعمال وتزكو الأحوال قال تعالى : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الكهف : 7 ] ، فحسن الأعمال إنما هو الفهم عن اللّه ، والفهم هو ما ذكرناه من الاغتناء باللّه والاكتفاء به ، والاعتماد عليه ، ورفع الحوائج إليه ، والدوام بين يديه ، وكل ذلك من ثمرة الفهم عن اللّه ، وتفقّد وجود الورع من نفسك أكثر مما تتفقد ما سواه وتطهر من الطمع في الخلق ، فلو تطهر الطامع فيهم بسبعة أبحر ما طهره إلا اليأس منهم ورفع الهمة عنهم ، وقدم علي رضي اللّه تعالى عنه البصرة فدخل جامعا فوجد القصاص يقصون فأقامهم ، حتى وجد الحسن البصري فقال : يا فتى إني سائلك عن أمر ، فإن أجبت عنه أبقيتك وإلا أقمتك كما أقمت أصحابك ، وكان قد رأى عليه سمتا وهديا ، فقال الحسن : سل عما شئت ؟ فقال : ما ملاك الدين ؟ قال : الورع ، قال : فما فساد الدين ؟ قال : الطمع قال : اجلس ، فمثلك يتكلم على الناس . قال : وسمعت شيخنا أبا العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه يقول : كنت في ابتداء أمري بالإسكندرية ، فجئت إلى بعض من يعرفني فاشتريت منه حاجة بنصف درهم ، فقلت في نفسي : لعله لا يأخذه مني ، فهتف بي هاتف : السلامة في الدين بترك الطمع في المخلوقين . وسمعته يقول : صاحب الطمع لا يشبع أبدا ألا ترى أن حروفه كلها مجوفة ، الطاء والميم والعين ، فعليك أيها المريد برفع همتك عن الخلق ولا تذل لهم في شأن الرزق ، فقد سبقت قسمته وجودك وتقدم ثبوته ظهورك . واسمع ما قال بعض المشايخ : أيها الرجل ما قدر لما ضغيك أن يمضغاه فلابد أن يمضغاه ، فكله ويحك بعز ، ولا تأكله بذل انتهى .